عثمان بن جني ( ابن جني )

40

سر صناعة الإعراب

ومثل البيت الذي مضى ، بيت آخر من أبيات الكتاب ، وهو قول الفرزدق : تنفي يداها الحصى في كل هاجرة * نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف " 1 " أراد الصيارف ، فأشبع الكسرة ، فتولّد عنها ياء . فأمّا الدراهيم فلا حجة فيه ، لأنه يجوز أن يكون جمع درهام ، وقد نطقت به العرب ، قال : لو أنّ عندي مئتي درهام * لجاز في آفاقها خاتامي " 2 " ومثل البيت الأول قول أبي ذؤيب : بينا تعنّقه الكماة وروغه * يوما أتيح له جرئ سلفع " 3 "

--> ( 1 ) نفي الدراهم : إثارتها للانتقاد . والدراهم : جمع درهم ، وجاء في تكسير درهم : دراهيم أيضا . اللسان ( 2 / 1370 ) . والتنقاد : مصدر كالنقد ، إلا أنه للمبالغة . والصياريف : جمع صيرف كالصيارف ، والكوفيون يجعلون زيادة الياء في نحو الدراهيم والصياريف جائزة . والبصريون يجعلونها ضرورة للشعر . اللسان ( 4 / 2435 ) . والبيت في وصف ناقة بالقوة ، شبه خروج الحصى من تحت مناسمها بارتفاع الدراهم عن الأصابع إذا نقدها الصيرف ، وهو تشبيه بليغ يوضح المعنى ويؤكد الفكرة . والشاهد فيه : إشباع حركة الكسر فتولد عنها ياء في كل من الدراهيم ، والصياريف ، وكلاهما مجرور بالإضافة . ( 2 ) الدرهام : الدرهم ، وزعم سيبويه أنهم لم يتكلموا به ، ولكن الجوهري أثبتها في الصحاح مستشهدا بهذا البيت ، وعلى ذلك يكون " الدراهيم " في بيت الفرزدق السابق جاريا على القياس . ( 3 ) بينا هنا بمعنى بين ، وبين مضافة إلى تعنقه ، لأنه قد عطف عليه قوله " وروغه " وهذا الظرف لا يضاف إلا لما يدل على أكثر من واحد ، أو ما عطف عليه غيره بالواو دون سائر حروف العطف . وللعلماء فيما بعد بينا وبينما مذهبان : فالأصمعي يخفض ما بعدهما إذا صلح في موضعهما " بين " وينشد هذا البيت بكسر تعنقه ، وغير الأصمعي يرفع ما بعد بينا وبينما ، على الابتداء والخبر ، وينشد هذا البيت بالرفع والخفض ( انظر اللسان في مادة بين ) . ( 1 / 405 ) . والتعنق : المعانقة . والكماة : جمع كمي ، وهو البطل المتستر في سلاحه . وروغه : المخادعة . وأتيح : تهيأ . وسلفع : شجاع جريء جسور . والشاهد فيه : قوله : ( بينا ) يريد ( بين تعنقه ) وأن الألف وإن كانت إشباعا للفتحة فهي في هذا الموضع زيادة لازمة .